أحمد بن محمد مسكويه الرازي

267

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ما لا يغسل عنها الا بالزمان الطويل والعلاج الصعب ، وربما كان سببا لفساد الفاضل المحنّك وغواية العالم المستبصر ، حتى يصير فتنة لهما فضلا عن الحدث الناشئ والمتعلّم المسترشد . والعلة في ذلك ان محبة اللذات البدنية والراحات الجسمية طبيعة للإنسان لأجل النقائص التي فيه ، فنحن بالجبلة الأولى « 1 » والفطرة السابقة الينا نميل إليها ونحرص عليها ، وانما نزّم أنفسنا عنها بزمام العقل حتى نقف عندما يرسم لنا ، ونقتصر على المقدار الضروري منها . وانما استثنيت في أول هذا الكلام وشرطت بما شرطت لأن معاشرة الأصدقاء الذين ذكرت أحوالهم في المقالة المتقدمة ، وحكمت بتمام السعادة معهم ولهم لا تتم الا بالمؤانسة والمداخلة ، ولا بد في ذلك من المزاج المستعذب والأحاديث المستطابة والفكاهة المحبوبة ، وإصابة اللذة التي تطلقها الشريعة ويقدرها العقل حتى لا يتجاوز إلى الإسراف فيها ، ولا يقصر عنها تهاونا بها ، وذلك ان الخروج إلى أحد الطرفين ان كان إلى جانب الزيادة سمي مجونا وفسقا وخلاعة وما أشبهها من أسماء الذم ، وان كان إلى جانب النقصان سمي فدامة « 2 » وعبوسا وشكاسة وما أشبهها من أسماء الذم أيضا ، والمتوسط بينهما هو الظريف الذي يوصف بالهشاشة والطلاقة وحسن العشرة ، ويعرض من الصعوبة في وجود هذا الوسط ما يعرض في سائر الفضائل الخلقية . « 3 »

--> ( 1 ) . الجبلة الأولى : الخلقة الأولى . ( 2 ) . المراد بالفدامة : العي ، تقول ؛ رجل فدم بالفتح اي عي بين الفدامة . ( 3 ) . يروى عن أهل البيت عليهم السّلام : « المؤمن لعب دعب ، والمنافق قطب غضب » . « المؤمن هشّ بشّ » .